massarate

   العنوان   

 

 

يوضح الأستاذ مصطفى بوعزيز سر الوثيقة التي نشرها في مجلة "زمان"، وتعتبر واحدة ضمن مجموعة من الوثائق التي تشكل جزءا من أرشيف كوميسارية الدائرة السابعة في الدار البيضاء، التي كانت مكلفة بمتابعة الأحداث التي هزت أوساط المقاومين وأعضاء جيش التحرير مباشرة بعد الاستقلال، وقد اعتقل في هذه الكوميسارية مجموعة من الوطنيين الذين عذبوا واستنطقوا...

الوثيقة أثارت جدلا كبيرا، بالنظر إلى نسبها إلى الزعيم الخطابي الرمز، وإلى طبيعة الرسائل المحملة بها، وهذه توضيحات المؤرخ بوعزيز.

أثار المقال الذي نشرته عن عبد الكريم الخطابي والوثيقة التي أخضعتها للدراسة عن موقف الزعيم الريفي من الاستقلال ملاحظات كثيرة، من جهة بالنظر إلى حساسية الموضوع، ومن جهة أخرى لأن بعض الأخطاء التقنية تسللت إلى تعليقاته الصحافية، الشيء الذي جعلها تفهم خارج سياقها. فبماذا تقيمون كل هذه الأصداء؟

أولا اسمحوا لي أن أؤكد لكم أنني فوجئت بنشركم للمقال الذي يتضمن اتهامات حول طريقة اشتغالي بالتاريخ، وردت بلهجة أقل ما يقال عنها أنها لا تخلو من عنف مجاني وتجريح غير مبرر، بينما المناقشات المتعلقة بالتاريخ تتطلب في ما تتطلب أولا الهدوء، ثانيا الرزانة، وثالثا عدم التسرع في إطلاق الأحكام.

لذلك كنت أتمنى أن تتصل بي "الأيام" مباشرة بعد توصلها بالمقال، إما لأعطيها توضيحات مباشرة أو للمساهمة في مناظرة حية، لاسيما وأن المقال نشر في ركن مناظرة، وكان سيكون ذلك أكثر نفعا.

هذا بشكل عام، أما في ما يتعلق بالمعالجة الصحافية والإعلامية فالقضية موضوع المناقشة ثقيلة. ثم إن المقال نشر في نفس الأسبوع الذي صدر فيه بالعدد الثالث من مجلة "زمان" الذي يضم في الصفحة 67 تصحيحا لخطأ تقني حصل عند تركيب العدد، وهو نشر وثيقة حزب الشعب الجزائري عوض الوثيقة المنسوبة إلى عبد الكريم الخطابي، وقد نشرت النسخة الأصلية في العدد الأخير من عدد "زمان".

ويزداد استغرابي، خصوصا وأن كاتب المقال قريب من العقيد الهاشمي الطود، وهذا الأخير بلغ هاتفيا بالخطأ وبالاعتذار عنه، وكان على علم بأن العدد الثالث من المجلة سينشر تصحيحا كاملا في الموضوع.

كما أن الهاشمي الطود بلغ بتوضيحات حول الوثائق والصور المنشورة عنه والتي سبق وأن نشرت منذ سنة 2004 من طرف مؤسسة محمد بوضياف في كتاب يحمل اسم "جيش التحرير المغاربي"، هذا فضلا عن أن صورة الطود المنشورة في مجلة "زمان" تتصدر غلاف الكتاب المذكور.

إذن الانتقاد قد يكون مقبولا من الناحية التقنية، ولكن استعماله من أجل مناقشة المضمون في نظري استعمال خاطئ، ولا يفيد شيئا في مناقشة قضية جدية ومعقدة مثل قضية كيفية الانتقال من الذاكرة إلى التاريخ.

وأظن أن الأجدى ليس اقتناص بعض الأخطاء الصحافية التقنية واستعمالها بشكل مغرض في مناقشة قضايا معرفية ومنهجية، بل المهم هو الدخول توا في مناقشة المضامين والارتكاز على القواعد العلمية في ذلك، وهذا ما أوده الرفيق المصطفى بوعزيز من أبرز قياديي الحزب الإشتراكي الموحد .

لكن، ألا ترون أن هذا الجدل عادي وطبيعي بالنظر إلى أنه يتعلق بشخصية لها رمزيتها، وبالقياس إلى طبيعة الوثيقة في حد ذاتها بما في ذلك مصدرها؟

أود في البداية أن أؤكد أنني بطبيعة الحال لم أقل إن الطود هو الذي منحني هذه الوثيقة، بل بالعكس أنا الذي أطلعت الطود عليها، وسأعود إلى هذه القضية. هذه الوثيقة تعتبر واحدة ضمن مجموعة من الوثائق التي تشكل جزءا من أرشيف كوميسارية الدائرة السابعة في الدار البيضاء، التي كانت مكلفة بمتابعة الأحداث التي هزت أوساط المقاومين وأعضاء جيش التحرير مباشرة بعد الاستقلال، وقد اعتقل في هذه الكوميسارية مجموعة من الوطنيين الذين عذبوا واستنطقوا...

والملف الذي تنتمي إليه الوثيقة هو الملف المتعلق بما سمي آنذاك بالشبكة الريفية.

طبعا هذا النوع من الوثائق بطرح عدة أسئلة أولها: هل هي صالحة لاعتبارها مادة مصدرية لكتابة تاريخ الاستقلال والمقاومة؟ وثانيها: هل يصح الكشف عنها، لاسيما وأن الظاهرة المدروسة تنتمي للماضي القريب ولازالت تفرعاتها مستمرة في الحاضر؟

الجواب عن السؤال الأول بديهي، فكل ما تركه لنا الماضي من وثائق بمفهومها العام، أي شاهد على النشاط الإنساني في الزمن الماضي، مكتوبة أو مصكوكة أو مصورة أو ذاكرة شفوية، تعتبر صالحة لتشكل مادة مصدرية ما، وهي ككل الوثائق لا تصدق بالإطلاق ولا تنفي بالإطلاق، بل تخضع للنقد التاريخي.

إذن فاستعمال أرشيف المؤسسات الأمنية أمر مفروغ منه، ذلك أن جزءا كبيرا من تاريخ الحماية مؤسس على دراسة وثائق المؤسسات الأمنية، ومنها تقارير المراقبين المدنيين والعسكريين.

إذن هل هذا معناه أن الخطابي كان ضد استقلال المغرب؟

البيان موجه إلى الشعب المغربي وأساسا إلى المجاهدين الجنود في فرق جيش تحرير المغرب العربي، وتعرفون أن تاريخ هذا الجيش لم يكتب بعد بطريقة علمية، نظرا لوجود مناطق ظلام كثيرة في هذه الحقبة وفي الوقائع المرتبطة بجيش التحرير، إلا أننا بدأنا نلتمس أسس الخلاف داخل القيادات الوطنية المغاربية آنذاك وأساسا خلاف الاستراتيجيات بين محمد عبد الكريم الخطابي وبين القادة الوطنيين لكل من تونس والمغرب، هذه الخلافات ستؤدي إلى توتر العلاقة بين الأمير من جهة وعلال الفاسي والحبيب بورقيبة من جهة أخرى.

جوهر الخلاف كان قائما من جهة بين استراتيجية لتحرير بلدان المغرب العربي دفعة واحدة عبر حملات منسقة مسلحة وسياسية ومفاوضات مشتركة عندما يأتي أوان ذلك، وهذا ما كان يقول به الخطابي ومن معه من المناضلين والعسكريين مثل الهاشمي الطود من المغرب وعز الدين عزوز من تونس، ومن جهة أخرى استراتيجية تقوم على تحرير كل بلد على حدة انطلاقا من تنسيق محلي بين المقاومين حاملي السلاح والسياسيين حاملي العرائض والمفاوضين، مع تنسيق مغاربي كلما سمح الفرصة بذلك.

هذا الخلاف سيفرز على المستوى العملي قيام جيش تحرير محلي بكل بلد بقيادته الخاصة الداخلية والخارجية، وتأسيس قيادة مغاربية بالقاهرة على رأسها الخطابي، وكل قيادة تعتقد أنها الأسمى من الأخرى، وهذا مصدر الغموض الذي سيؤدي إلى الكثير من سوء الفهم وإلى مواجهات بعضها كان عنيفا، وهذا ما سيفتح المجال أيضا لتدخل أطراف أخرى كالطرف المصري مثلا، (انظر مثلا مذكرات فتحي الديب، وردود الغالي العراقي عليها في كتابه: "البيان والبرهان")

في إطار هذا الاضطراب وتعقيد الظرفية السياسية آنذاك سواء على الصعيد الدولي (الحرب الباردة) أو العربي (أوج الناصرية) أو المغاربي (مركزية القضية الجزائرية)، فأحد تخوفات الخطابي كان أن يفضي استقلال تونس لوحدها واستقلال المغرب لوحده إلى تثبيت الاستعمار الفرنسي في الجزائر. هذا جوهر الخلاف، وهذا ما يفسر حدة الانتقاد لعلال الفاسي ولحزب الاستقلال الوارد في البيان أما معارضة لقاءات "إكس ليبان" فلم ينفرد بها الأمير الخطابي، بل عارضها بشدة علال الفاسي نفسه، وقيادة جيش التحرير المغربي والمقاومون المغاربة والنقابيون.

لكن، ماذا تقصد بمركزية القضية الجزائرية؟

المناخ المغاربي العام آنذاك كان مطبوعا بأن الجزائر هي العضو الجريح في المغرب العربي –وبين قوسين تعبير المغرب العربي لم يكن يثير حساسية أي مغاربي أمازيغيا كان أو عربيا- وكانت الجزائر حاضرة في الوجدان بنفس القوة التي تحضر بها الآن فلسطين في المنطقة المغاربية، لذلك لم يكن بإمكان أي وطني أن يقول بغير التضامن مع الجزائر ومساندتها المطلقة من أجل التحرير، لذلك كانت القضية الجزائرية حاضرة في كل برامج القوى السياسية سواء المغربية أو التونسية، بل كان هناك التزام ملكي من طرف محمد الخامس في هذا الاتجاه.

هكذا عقد سنة 1958 مؤتمر طنجة لتأكيد التزام الدولتين المستقلتين المغرب وتونس بالاستمرار في دعم جبهة التحرير الجزائرية، وهذا يؤكد قوة الانخراط الشعبي في التضامن مع الجزائر ويؤكد بالتالي مركزية المسألة.

هل يمكن أن نعتبر بناء على ما سلف أن جزءا من العقدة المغربية-الجزائرية يستمد جذوره من هذا الخلاف؟

بشكل من الأشكال يمكن قول ذلك. إلا أن الأمر أعمق من ظرفية سياسية، إذ يتعلق في نظري بعمق ثقافي ويتجسد في الاستبطانات المختلفة لمفهوم الوحدة، فمن جهة هناك الوحدة الاندامجية، وتحيلنا على الفهم السني للعقيدة وللسلوك الجماعي، والوحدة الفيدرالية، وتحيلنا أيضا على الفهم الحداثي للتكتلات المجتمعية المؤسسة على معادلة الوحدة والاختلاف من جهة أخرى.

فالتعارض بين المستبطنين يتجلى في كل الأعمال الجماعية سواء تعلق الأمر بالجمعيات أو النقابات أو الأحزاب أو الدول أو الحركات الاجتماعية، فالسائد ذهنيا هو االمفهوم الاندماجي، إلا أنه يتعارض مع الواقع المتعدد، والطموح هو المفهوم الفيدرالي إلا أنه يتعارض مع المستبطن الثقافي، لذلك تتعثر الأحزاب والنقابات والجمعيات ويتعثر بناء المغرب الكبير

الوثيقة اللأصلية / صورة

 

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.


Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site