psuinfo

               الفلاحات المهاجرات للبحث عن الثروة أم الوقوع في المعاناة..؟                             

 

نحيفات سرق منهن الزمن أنوثتهن وقوامهن الممشوق، كلفن بزراعة المواد الكيماوية قبل زرع بذور الفصوليا، يسكن بخميس أيت عميرة، تحت أكواخ من قش وطين وسقوف من خرق بلاستيكية... 

واقع مرير يصرخ بحقائق أشد مرارة، أسرار وحياة مدن الملح ومدن الهجرة من الداخل، التي أنتجت مراكز وجماعات دون هوية، وما يرتبط بها من قيم خاصة، وحياة تفرز تناقضات وأوضاعا تبعث القلق وتستفحل سنة بعد أخرى. 

أزيد من مائة ألف عامل وعاملة يشتغلون بشكل مباشر أو غير مباشر بقطاع الفلاحة بمنطقة اشتوكة أيت باها، تشكل النساء والديمغرافية الشابة القاعدة الأساسية لهذه الشريحة المهنية، التي تلامس الثمانين في المائة منها.. 

معاناة يصعب رصدها بالكلمات بطلاتها عاملات زراعيات باشتوكة أيت باها 

"جينا نصوروا طرف الخبز" 

زينب (ع)، شابة في مقتبل العمر، نحيفة ذات لون يميل إلى الحمرة الداكنة، تذكر جيدا ذلك اليوم، الذي امتطت، هي ووالدها، الحافلة في اتجاه نواحي أكادير، تقول "لم يسبق لي أن غادرت جمعة اسحيم، كنت أظن أن كل العالم لا يتجاوز هذه المنطقة إلا قليلا، في ذلك الصباح استيقظنا مبكرا.. والدتي يغالبها النعاس.. لم تنم هي أيضا تلك الليلة من شدة القلق علي، فاضت عيناها بالدموع وهي تودعني. 

كنا خمسة إخوة أنا بكرتهم، لا يملك أبي غير "كروسة" يبيع عليها الخضر كل أسبوع من سوق الجمعة، لا نملك لا أرضا ولا ماشية، كان أبي يردد دائما أن القهر وقلة اليد تقتل، لما ركبنا الحافلة وبدأت تقطع بنا المسافات ترامت إلى عيني صورة لن أنساها ما حييت، صورة أمي وهي تلوح لي بيديها وكأنها في قرارة نفسها تودعني الوداع الأخير". 

تتوقف زينب عن الحكي وتتنهد طويلا، قبل أن يثير اهتمامها حضور إحدى صديقاتها، التي شاركتها بعضا من مآسيها لتبادرها بالسؤال عن الأحوال وعن سبب غيابها الطويل عن الغرفة، التي يكتريانها بخميس ايت عميرة. 

استأنفت وهي تلجم دمعا حارا انحصر في زوايا عينيها "قضيت وأبي لحظة وصولنا الليلة كلها بالمحطة لنتوجه، بعد ذلك، عبر سيارة الأجرة، إلى "بيوكري"، حيث وجدت عملا في البداية في إحدى الضيعات، ونظرا لنحافة جسمي في ذلك الوقت، كلفني "الكابران" (رئيس فرقة العمال بالضيعة) بأن أضع وأخريات بعض المواد الكيماوية، قبل زرع بذور الفاصوليا، كان دورنا في العمل هو تهيئة التربة، لقد سببت لي تلك المواد الكيماوية مرضا مزمنا "الضيقة" سيلازمني، طوال حياتي. وكان علي أن أبحث عن مكان يؤويني، سأجده بخميس أيت عميرة، وهو عبارة عن كوخ من قش وطين وسقف من خرق بلاستيكية، يؤوي أربع نساء أو أكثر، وتفاقمت وضعيتي الصحية بسبب رائحة الكبريت والمواد الكيماوية الأخرى، وغياب التهوية، وضيق المساحة المخصصة لنومنا. 

وفي محاولة لفهم هذه الحركية الديمغرافية النسائية لشابات من مناطق متعددة نحو ضيعات سهل اشتوكة، لم تختلف الشهادات، التي استقيناها، إذ تقاطعت عند بؤرة الفقر والقهر والعوز، لكن المثير أنهن كلهن كن يعشن حلم تغيير أوضاعهن الاجتماعية في المسقط، إذ أغلب النساء القادمات من آسفي، وبني ملال، وخنيفرة، والصويرة، وقلعة السراغنة...، قذفت بهن ظروفهن الاجتماعية وانعدام فرص الشغل في قراهن النائية. تقول فاطمة من جمعة اسحيم "جينا نصوروا طرف الخبز ونعاونوا الوالدين، دارت بنا الأيام ومابقى عندنا وجه فين نرجعوا". لقد كانت الهجرة استثنائية فأصبحت نهائية، خصوصا لنساء أمهات عازبات، وصل صدى دعارتهن المفروضة بقوة إلى مساقط رؤوسهن. 

الحقيقة الأخرى 

وسط الضيعات انتشرت نساء منهمكات في عملهن الزراعي قرب منطقة خميس أيت عميرة، الشمس فوق رؤوسهن يزيد من لظاها انعكاسها على السقوف البلاستيكية، وجوه أخذ منها تعاقب لفحات البرد وسياط الحرارة النظارة والأنوثة، أكف غارقة في شقوقها، التي لم تخفها قرنفلية الحناء، وأقدام في أحذية بلاستيكية تقاوم قسوة العمل بجوارب من الفوطا رغم حرارة الجو، من حين لآخر تنتصب امرأة واقفة بحثا عن راحة مؤقتة لظهر طال انحناؤه، وأيضا عن فرصة لتشييع المكان والناس بنظرات سريعة، يصعب الحديث معهن، كأنهن يخفن من أطياف لا ترى... 

خلال رحلة العودة إلى الكوخ، تحدثت امباركة، بصعوبة، وهي تحدق يمينا وشمالا، عن فقر أسرتها، وعن المرأة، التي جاءت بها إلى هنا منذ خمس سنوات، وهي التي لم تتجاوز راهنا عقدها الثاني، تحدثت عن كل شيء وبقية من الكبرياء تجعلها صامدة، لكن أخيرا غلبتها الدموع، وكان الموقف أشد بكثير وأشق من كبح جماح الكبرياء، فقالت "كنت أقضي يومي في الضيعة وأعود في المساء لأهيء عشاءنا ثم نخلد للنوم، كان ذلك حالنا في الأول قبل أن أبدأ رحلة العذاب مع قلة النوم بسبب ما تحدثه فوضى فتاتين كانتا تقضيان وقتا كبيرا من الليل في الخارج، لتعودا في الساعات الأولى من الصباح، لم أفهم يومها طبيعة العمل، الذي يجعلهما تعودان وهما متعبتين وعاجزتين عن فعل أي شيء غير الركون إلى النوم حتى الرابعة عصرا وأحيانا السادسة، كنا لا نراهما إلا ليلا. لكن، بعد ذلك، سأعرف أنهما تتعاطيان الدعارة، جاءتا من خنيفرة، وأنهما مثلي بدأتا عاملتين في الضيعات المترامية على طول سهل اشتوكة أيت باها، وتعرضتا للتحرش الجنسي، وبعدها لاستغلال "الشافات والكابرانات"، قبل أن ينتهي بهما المطاف لامتهان الدعارة في أكادير، ثم في إنزكان، ثم في منازل أيت ملول وخميس أيت عميرة وبيوكرى". 

تلتقط امباركة أنفاسها وتضيف "فكرت أن أحسن طريق للهروب من السقوط في المصير نفسه، أن أغير هذه الغرفة، وأبحث لي عن مكان آخر أكثر هدوءا وأقل تكلفة، إذ كانت أجرتي يومها لا تتعدى 40 درهما في اليوم، وكانت تأتيني أيام لا أشتغل فيها وأخرى لا أشتغل سوى ساعتين، كانت كلفة الكراء 100 درهم، تضاف إليها مصاريف الأكل والشرب، فضلا عما يجب أن أقتصده من مال لأبعثه لأسرتي بداية كل شهر، لم تكن رحلة البحث الدائم عن العمل وعن الاستقرار والسكن ومختلف متطلبات الحياة تنسيني تلك الطفلة، التي كنتها يوما في تلك القرية البئيسة الموجودة في جمعة اسحيم، ولم تكن تلك الرحلة لتنسيني شدة الفقر والحرمان وغياب كل مرافق الحياة العادية، التي كنت أعيشها في قريتي، وها أنا ذي أعيش اليوم في هذه الأحياء المهمشة المنتشرة في هذا "الفيلاج" المسمى خميس أيت عميرة". 

وتواصل امباركة "كنا نستيقظ في الصباح الباكر، ونتجه جماعات، نحن القادمات من أماكن متعددة من المغرب، خاصة من نواحي خنيفرة، وبني ملال، وولماس، والصويرة، والراشيدية، كنا جيشا من النساء نتجه جماعات لنتفرق في "كاميونات" (شاحنات) مخصصة لنقلنا إلى الضيعات. تحكي النساء هنا عن عدة حوادث سير وقعت بسبب هذه "الكاميونات"، كانت بعضها مميتة، وكان أكثر الأعمال مشقة تلك التي تقودنا للعمل في بيوت البلاستيك في عز الحر الصيفي، إذ غالبا ما تتحول البيوت لفرن ساخن، نقضي بها الساعات، وكان التمييز بيننا صادما من طرف "شافات" (رؤساء العمل) الضيعات، لم أفهم سر هذا التمييز إلا بعد مدة، لقد كان مقابل الحصول على عمل أقل تعبا وأقل مشقة، هو الاستجابة للرغبات الجنسية لهؤلاء "الشافات والكابرانات"، وكل من ترفض يكون مصيرها إما المزيد من أعمال التعب والإنهاك، أو أن تكون ضحية الطرد من العمل. تعرفت في ما بعد على حوادث تقع في الخفاء، عن حالات اغتصاب جماعي، وعن تحرشات جنسية لا تتوقف". 

مصادر من نقابة الاتحاد المغربي للشغل، بمنطقة اشتوكة، أكدت أن العاملات الزراعيات هن الأكثر تضررا من تدني الأجور، حوالي 47 درهما في اليوم، ونظرا لموسمية النشاط الفلاحي وتأثير ذلك على قطاع صناعة التلفيف، فإن غالبيتهن لا يشتغلن إلا حوالي 9 أشهر في السنة، وهو ما يجعل غالبيتهن يبحثن عن مدخول إضافي تجده الكثيرات في التعاطي للدعارة. 

رحلة إلى الجحيم 

نساء من مختلف الأعمار، بسحنات موغلة في الشظف، على أكتافهن أسمال وشعور مبعثرة لففنها في قبعات مختلفة الألوان، الموكب شبيه بنساء في عصور الظلام.. "أح آميمتي، الله يعفو علينا من هاد تمارة"، ردود مختلفة، والقاسم المشترك أحزان جامحة.

قرب مقهى وحوانيت صغيرة مشتتة تبيع كل شيء بمركز أيت عميرة، يقفن على الرصيف، عيون الصياديين والمشردين والتائهين تترصد مؤخراتهن، وهن في انتظار الشاحنات والجرارات لتقلهن إلى ضيعات، لم تهتد لها بعد بوصلة التنمية البشرية. 

تقف الشاحنات والجرارات تباعا، تتسلق النساء بما تبقى فيهن من جهد جدرانا حديدية، ويرتمين بين الأجساد المنهكة، يد من هنا ويد أخرى ذكورية بحجة المساعدة تسافر في الجسد غير القادر على الاحتجاج. 

جل القادمات جرى انتقاؤهن من مركز بيوكرى، حيث يوجد "الموقف"، تتذكر جل النساء أنهن قدمن من المركز نفسه أو المدينة الصغيرة ذاتها، التي لا تبعد عن أكادير، إلا بحوالي 30 كلم، هي عاصمة اشتوكة ومقر عمالتها، تتوسع بشكل يومي وتعد من أكبر المراكز استقطابا للهجرة الداخلية بالمغرب، في كل صباح تشهد حركية مثيرة للانتباه لوسائل نقل بعضها تقليدي كـ"الكاروات" وبعضها عصري مثل "البيكوبات"، و"التراكتورات"، و"الكاميونات"، حيث يجري نقل "العطاشة"، الذين تكون وجهتم "الفيرمات" المترامية الأطراف على امتداد النظر في الإقليم. 

تقول خديجة "بمجرد وصولنا إلى الضيعة، سندخل بيوتنا البلاستيكية، وسنقضي يومنا في حرارة مضاعفة، حرارة الجو وحرارة البلاستيك وقلة الهواء". 

من الخامسة صباحا إلى السادسة مساء، عمر رحلة العمل المرهق في ضيعات فلاحية أغلبها يعاني انعدام وسائل حفظ السلامة المهنية، وتردي وسائل النقل وتدني الأجور. 

مصدر من جمعية مصدري الحوامض والبواكر، أكد أن أغلب الضيعات توفر حاليا عدة وسائل لحفظ السلامة المهنية، وأن غالبية الضيعات تحترم قانون الشغل وتتقيد بالسلامة المهنية، أما في ما يخص الاتفاقيات الجماعية وغيرها من مطالب النقابات والجمعيات المهنية، فأكد المصدر ذاته ضرورة مراعاة خصوصية القطاع الفلاحي وموسميته وتقلب أسعار السوق المحلي والدولي، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج الفلاحي. 

وفقا لدراسة من قبل شركة دولية للاستثمارات، وبتكليف من مجلس سوس ماسة درعة، ما زال يعتمد على ثلاثة قطاعات أساسية أهمها الزراعة المكثفة، إضافة إلى لسياحة والثروة السمكية بنسبة استثمار تصل إلى حدود 45 مليار درهم حوالي 13 في المائة من الناتج المحلي الإقليمي يمثله قطاع الفلاحة، يشغل حوالي 150 ألف عامل أي حوالي 17 في المائة من القوى العاملة بالإقليم. 

حالات 

السعدية الخطابي 

عاملة مزدادة في 1962، من منطقة أكلموس بمدينة خنيفرة، بدأت عملها بالمجموعة، مع بداية سنة 1997 في ضيعة فيرماسا 06. 

ستتعرض لحادثة شغل في أبريل 1997، بعد أن داستها شاحنة، وكسرت ساقها، مما اضطرها للانقطاع عن العمل إدارة الشركة أنكرت الحادثة، ولم تمنح العاملة أي تعويض طيلة فترة العلاج.. 

في سنة 2004، ستبدأ معاناة السعدية مع مرض في ثديها الأيسر، تبين أنه كان ناتجا عن ضربة أصابتها من جراء حملها لصندوق بطيخ سنة 2002، ما استدعى عملية جراحية لقطع الثدي. 

الضحية، التي عانت الأمرين، لم تساعدها إدارة الشركة على مصاريف العملية، التي تطلبت 40 ألف درهم، ومصاريف الأدوية، التي مازالت تتطلب 260 درهما في الشهر، كما لم تمنحها أي تعويض طيلة فترة النقاهة، التي دامت حوالي سنة، خصوصا وأنها كانت تعيل أسرتها، التي تتكون من زوجها، الذي يعاني هو الآخر من مرض في المعدة، وابنها البالغ 21 سنة. 

التحقت السعدية بالعمل من جديد في بداية 2006، واعتبرت الإدارة انقطاعها عن العمل بسبب حادثة كسر رجلها، والعملية الجراحية لبتر ثديها، فترات تغيب غير مبررة، وحرمتها من جميع حقوقها القانونية (منحة الأقدمية، الضمان الاجتماعي، بطاقة الشغل). 

التحقت بنقابة الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، في مارس 2006، لتبدأ معاناة جديدة مع الإدارة، التي استعملت جميع وسائل الضغط عليها، كان آخرها، قرار تنقيلها تعسفيا إلى ضيعة بعيدة، في صيف 2007، وأرغمتها على قبول تعويض هزيل (7500 درهما) لتنصرف إلى حال سبيلها. وذهبت لتواصل محنتها مع وحش رأسمالي جديد في إحدى الضيعات بالمنطقة نفسها، لينخر ما تبقى من حيوية في جسد السعدية، التي أفنت زهرة حياتها في الكدح والفقر. 

فاطمة حمادة 

عاملة، تبلغ من العمر 50 عاما، من منطقة أكلموس، بمدينة خنيفرة، بدأت عملها بالمجموعة في سنة 2003. 

في 02 يونيو 2006، ستتعرض الشاحنة المهترئة، التي تقلهم إلى مقر العمل، إلى حادثة سير، أفضت إلى إصابة مجموعة من العاملات والعمال بكسور وجروح، من ضمنهم فاطمة التي بترت يدها اليسرى، وأصبحت في وضع عجز كلي عن العمل. 

ومنذ ذلك الوقت، وفاطمة تتيه في مساطر الملفات مع المحكمة، وتوقفت إدارة الشركة عن أداء التعويض الهزيل، المتمثل في أجر نصف يوم، في أواخر 2004، لتترك فاطمة لمصيرها، وهي تعيل أسرة، تتكون من زوجها المسن، و5 أطفال. 

شهادات 

عمر الشيخ أستاذ باحث رئيس المجلس القروي خميس أيت عميرة&n

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.


Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site