psuinfo

 

شي غيفارا .. اليساري الثائر في سطور

 

حياة الثائر أرنستوا شي غيفارا

:

كانت اميركا اللاتينية ، بتاريخها المليء بالانفجارات والثورات والانقلابات ، هي الاطار الكبير الذي شب داخله ارنستو غيفارا وانتفض عليه ، محاولا تغييره . كان هذا الاطار هو الذي أعطى ثورة غيفارا معناها الحقيقي وحدد حجمها وبرر وجودها .

لكن هناك اطارا اصغر نشأ داخله ارنستو غيفارا وانتفض عليه بدوره ساعيا نحو الاطار الكبير ليندمج داخله . وهذا الاطار الصغير هو السنوات الاولى من حياته ، من الطفولة الى عهد الشباب والانطلاق .

 

لم يكن ارنستو غيفارا " طبيعيا " منذ ولادته سنة 1930 في روزاريو بالارجنتين ، وفي قلب عاءلة بورجوازية محترمة . كان والده يدعي انه مهندسا معماريا والواقع انه كان يدير ورشات بناء . اما والدته فبريطانية الاصل ، تعيش على التقاليد الاصلية والبروتوكولات .

 

كان نحيلا ، وكان مصابا بالربو . لكن عينيه منذ صغره كانتا مضيئتان . ووالدته في حرصها على حياته ، كانت تلف جسده بالقطن ، خزفا من الشمس والرطوبة والهواء .

 

ادرك ارنستو منذ سنواته الاولى انه يختلف عن شقيقيه وشقيقتيه ، ويلاحظ ان والدته لا تعتني باحد كما تعتني به ، وتظهر الحرص الشديد على طعامه ونومه ويقظته . شعر انه مدلل اكثر من اللزوم . فانتفض من القطن الذي يلف جسده ، وثار عليه ، واخذ يمارس جميع انواع الرياضة :

 

ركوب الدراجات ، والخيل ولعبة الركبي حتى الارحاق ، كي يثبت لنفسه انه لا يمكن لاحد ان يفرض اية قيود عليه .

وفي سن الرابعة عشرة ، وارنستو ما زال يركب الدراجات ويلهث وراء الفتايات وهو يطاردهن ، قبض على والدته ، وعذبت في سجون حاكم الارجنتين بيرون ، وكانت الغربة قاسية جدا بالنسبة الى ارنستو : ان يرى امه ، التي قدت السنوات وهي تغشى على صحته من الاعتلال والضعف ، وتسهر الليالي قربه محاولة ان تخفف من زفير صدره ، فجأة في السجن ، تعذب على ايدي بعض القساة ، وهو لا يستطيع ان يفعل شيئا " .

 

ولعله في تلك الفترة ، ادرك معنى الظلم . وشعر كم هو قاس ان يكون الانسان مظلوما ، والاخرون ينعمون بالحياة .

لكن هذا التمزق الذي انتابه ، كان مجرد عاطفة صبي في الرابعة عشرة ، لا يعي تماما ابعاد القسوة والظلم والالم . ويقال ان ارنستو ، اراد ان يفجر الثورة والنقمة التي في داخله على السلطات الحاكمة ، نزل الى الشار ع وتخانق مع بعض زملائه ، وانه يومذاك نال علقة محترمة .

 

ولعب نفوذ العائلة دورا كبيرا ، فافرج عن والدة ارنستو بعد فترة قصيرة من سجنها .

انهى ارنستو دروسه الثانوية ، وكان عليه ان يختار بحكم انتمائه الى عائلة بورجوازية ، بين مهنتين : المحاماة او الطب .

وحين سأله والده السؤال التقليدي :

 

كان جوابه سريعا واختار مهنة الطب .

وكان ارنستو يعتقد انه بالطب سيساعد كل مريض على التحرر من مرضه . ومن غريب الصدف ، ان ارنستو سيختار التخصص في الامراض الحساسة التي يصعب مداواتها .

وعلى مقاعد الدراسة الجامعية ، يكشف ارنستو غيفارا شيئا يختلف عن ابعاد وآفاق الطب الحديث واسرار الجسم البشري ، حين يلتقي مع الافكار الثورية ويقرأ كتب ماركس ولينين وتروتسكي ، بالاضافة الى اطلاعه على الثورة الفرنسية ومفكريها .

 

كان ارنستو شغوفا الى حد كبير بقراءة أعمال ماركس ولنين وتروتسكي ، وكان يفضل كتابات تروتسكي لانها تحمل في طياتها منابع الثورة الدائمة . وادرك غيفارا ان الثورة الحقيقية التي ينشدها لا تقتصر على التحرر من امراض الجسد ولا على التحدي الفردي للمصائب والظروف الطبيعية ، بل الثورة الحقيقية هي الثورة الشاملة العميقة ، التي تقلب تربة الارض رأسا على عقب ، لتزرع فيها الخصب والحياة الجديدة . وبقيت هذه الافكار راسخة في ذهن غيفارا ، حتى انتهاء فترة التدريب العسكري .

 

لكن نوعا من الزهق والسأم ينتاب غيفارا , فيشعر معه بأن مهنة الطب ليست شيء ، وأن شي ما ينقصه ، شيئا ما في داخله يناديه لأن يخرج من بيئته الضيقة ، فينطلق ويشاهد الناس .

 

رحـلـتـه 

وذات يوم من عام 1954 ، وارنستو لا يزال في الرابعة والعشرين من العمر ، يقرر أن يكتشف حدود ما وراء حدود بلاده ، فيترك العائلة وينطلق في السكوتر فيقطع السهول الشاسعة ويصعد الجبال ذات الطرق الضيقة الملتوية ، ويشاهد مئات العيون ، الاف العيون ، جائعة مترددة . شاهد هذه المرة عالم البائسين والعطلين عن العمل والباحثين عن الحرية والمكتوبين والمظلومين ، وتذكر عبارة لسان جوست كانت قرأها وهو يتعلم الفرنسية ، ويدرك الان تماما معناها الحقيقي ، تقول التاعسون هم مصدر القوة في العالم .

 

حين شاهد الوجه الاخر للانسانية المتقدمة المزدهرة ، شعر بقوة غريبة تتجاذبه ، وسؤال كبير يلح عليه كأنه يصفعه ويريد ان يوقظه : ماذا يعني أن تكون طبيبا" وتفتح عيادة في شارع كبير ان تصلح الاجسام وتداويها ، بينما هناك الملايين محتاجون الى طب من نوع آخر ، يغير كل حياتهم لا جزءا صغيرا من أجسامهم ؟

 

وادرك ان مهنته الحقيقية ليست الطب ، وان التحرر الصحيح لا يعني فقط خروج الانسان من القطن الذي يلف جسمه ، بينما هناك الملايين يلفها قطن اكثر ايلاما وقسوة بالنسبة الى النفس البشرية .

ويعود غيفارا الى المنزل ، ويقول لوالده انه لن يمارس الطب ، ولن يفتح عيادة ، ولن يستقبل الزبائن ، ولن يتزوج ويستقر في بيت هادئ ، ولن ينجب الاطفال بل سيرحل .

 

ونرى ايضا ان الجيش البرازيلي أنشأ في شمال شرقي البرازيل معسكرات لتدريب الفلاحين الشبان ، الذين تترواح أعمارهم بين السادسة عشرة والخمسة والعشرين ، على أصول مكافحة حرب العصابات .

الى أين سأله والده ؟

 

- الى أي مكان ، اجاب ارنستو ، لا الحدود تعني لي شيئا ولا الاوطان ولا الانظمة ولا القواعد الاجتماعية ولا القوانين . الذي يهمني ، هو ان في العالم ناس تأكل وتهضم ، والناس تجوع ولا تعرف ان تهضم .

- يبدو انك متعب قال الوالد . استرح ، وغدا نتحدث من جديد في مشاريع المستقبل .

فعلا ، كان ارنستو تعبا .

 

لكن تعبه لم يكن تعبا عابرا ، تذهب به ليلة راحة واحلام هنيئة . كان تعبه تعب ملايين التاعسين في العالم . ولم يكن ليرضى بأن يستريح من هذا التعب ، ما لم يسترح الملايين من المتعبين .

ونام ارنستو تلك الليلة وفي الصباح غادر المنزل .

 

بدء حياته الثورية :

للمرة الاولى في حياته يركل غيفارا الكرسي الذي كان يستقر عليه ، ويتخلى عن مجتمعه وعائلته ، لينطلق في دروب الثورة ، يكشف دنيا المظلومين والمتعبين والتاعسين .

 

ومنذ ذلك اليوم ، بعدما صفق والده الباب وراءه بغضب وحزن ، حين قال له ان حياته الحقيقية تبدأ وراء الحدود ، نرى ارنستو غيفارا في كل مظاهرة او اضراب او معركة او ثورة ، من اجل الحرية . في بيرو ، في تشيلي ، في بوليفيا ، في كولومبيا ، في فنزويلا ، في غواتيمالا حيث يصبح احد مستشاري الرئيس الثائر جاكوبو آربنز اثناء ثورته على الطبقة الاوليغاشية المحلية الحاكمة وعلى نفوذ الشركات الاجنبية (ولاسيما الاميريكية ) الكبرى

وبعد سقوط اربنز ، يهرب غيفارا الى المكسيك ويشتد عليه مرض الربو بسبب رطوبة الجو .

وفي تلك الفترة ، يلتقي غيفارا حبه الاول .

 

لم يكن حبه الاول عنيفا ، بل كان شفقة اتخذ شكل العرفان بالجميل ، وهذا اسوأ وأقسى أنواع الحب كما سيقول بعد سنوات .

واشتد المرض على غيفارا ، وتعددت النوبات الخطيرة التي كانت تنتابه ليلا نهارا ، فاضطر الى اللجوء الى مستشفى صغير ، ليعالج نفسهويجتاز مرحلة الخطر.

 

وساعده اخلاص الممرضة ، واسمها هيلدا غايدا ، التي تكبره بعشر سنين والتي سيتزوجها وهو خارج المستشفى معافى ، اعترافا منه بفصلها عليه وحياته .

 

وبعد خروجه من المستشفى معافى ، ينطلق غيفارا في الادغال الكثيفة ، ويلتقي براوول كاسترو الذي يقدمه الى شقيقه فيديل .

كان ذلك في صيف 1956 .

 

ويقول غيفارا بعد سنوات مضت على هذا اللقاء ، في رسالة الاستقالة الشهيرة :

" خطأي الوحيد ، يا فيديل ، انني لم اثق بك لحظات لقائنا الاول ، ولم ادرك صفاتك الثورية النبيلة "

ورغم الحذر الذي سيطر على اللقاء الاول بين غيفارا وكاسترو الثائر فأن كلا من الاثنين كان يشعر بأنه محتاج الى الاخر : غيفارا كان يرى في كاسترو الثائر الذي يريد ان يحقق ثورة في بلدة كوبا ويخلق من هذه الثورة انموذجا للثورات الاخرى في اميركا اللاتينية ، وكاسترو كان يرى في غيفارا الانسنا الثوري الصافي الرقيق الاحساس المثقف والواسع الاطلاع .

ومنذ 1956 ، حتى انتصار الثورة في كوبا ، ولحظة الفراق الاخيرة ، كان غيفارا وكاسترو رفيقي نضال واحد مشترك ، ورفيقي احلام وامال .

 

مذكرات شي غيفارا 

يروى تشي غيفارا في كتابه ذكرايات الحرب الثورية فصولا عن الاحداث التي رافقت رحلة النضال الثوري و مهدت لانتصار الكاستروية في كوبا

.

ولعل من ابرز ما في الكتاب ، وما في الذكريات ، قصة الفشل الاول وقصة الانتصار الاول.

في 26 تشرين الثاني 1956 ، اقلع من المكسيك ياخت غراما في طريقه الى كوبا ، حاملا على ظهره فيديل كاسترو وشقيقه راوول وغيفارا ، بالاضافة الى 81 ثائرا .

 

لم يكد الثوار ينزلون الى شاطئ كوبا ، حتى داهمتهم قوات باتسيتا ، فلم ينج منهم سوى 12 رجلا ، كان بينهم فيديل وراوول وغيفارا . ولجأوا الى جبال سييرا مايسترا ليبدأوا المسيرة الطويلة نحو الحكم في كوبا .

وفي تلك الفترة ، اظهر غيفارا براعة ونشاطا لا حدود لهما , كان يشترك في تجنيد الرجال الجدد ، ويتولى تدريبهم على السلاح ، وتلقينهم اصول واساليب وتكتيك حرب العصابات ، ويقرأ لهم كتب الادب وسير الثورات ورجال التاريخ العظماء .

وكان غيفارا يؤمن بأن كتب الادب وسير الابطال ضرورية للثوار بقدر ضرورة البندقية والمدفع .

وكان يؤمن كل ما يطلبه الرجال والرفاق : اقام مصنعا للقنابل اليدوية ، انشأ فرنا لصنع الخبز ، نظم مدرسة لتعليم الفلاحين القارءة والكتابة ، وكانوا يلجأون اليه حين يحتاجون الى نصيحة ما ، ويختلفون في أمر من الامور .

ويروي غيفارا في كتابه ذكرايات الحرب الثورية قصة المعركة الاولى التي هزم فيها الثوار ، وهي معركة الغيريادي بيو .

يقول غيفارا :

 

" في كانون الثاني 1956 ، بعد تعرض ياخت غراما للهجوم ومقتل معظم الرجال ، ولجوئنا الى الجبال سييرا مايسترا " ، اكتشفت قوات باتيستا المكان الذي نختبئ فيه ، وهو وهو مكان يعرف باسم اليغريادي بيو .

كنا مرهقين بعد رحلة طويلة مؤلمة ، وان شئت الحقيقة ، فقد كانت رحلة مؤلمة اكثر منها طويلة ، مشينا ساعات لا تحصى عبر البرك والمستنقعات . وكنا نرتدي احذية جديدة ، وكنا جميعا قد اصبحنا مصابين ببثور والتهابات في اقدامنا .

ولم تكن احذيتنا الجديدة والنباتات الفطرية هي عدونا الوحيد على اية حال .

 

وكان كل ما بقي من معداتنا الحربية هو بنادقنا ، واحزمة الطلقات وكمية صغيرة من الذخيرة المبللة . و كانت مؤونتنا الطبية قد اختفت ، وتركنا جربندياتنا في المستنقعات و كنا قد قضينا الليلة السابقة في احد حقول القصب التابعة لمصنع نيكويرو للسكر .

استطعنا ان نهدئ من حدة جوعنا وعطشنا بمص اعواد القصب . ولم يكن الحراس الذين يبحثون عنا في حاجة الى اي أثر ليتعقبوا خطواتنا على اية حال .

 

فقد كان الرجل الذي عمل مرشدا لنا قد خاننا وكشف امرنا كما اكتشفنا فيما بعد .

لقد تركناه يذهب وهذا هو خطأ ارتكبناه عدة مرات في كفاحنا الطويل حتى تعلمنا انه لا ينبغي عندما نكون في مناطق خطرة ، ان نثق في اشخاص مدنيين نجهل سجلهم الشخصي .

 

عندما طلع علينا صباح يوم 5 كانون الاول كنا لا نكاد نقوى على السير و على شفا الانهيار ، حتى اننا كنا نسير مسافة قصيرة ، ثم نتلمس فتررة طويلة من الراحة .

 

وصدرت الاوامر بأن نتوقف عند احد حقول القصب في غابة قريبة من الادغال الكثيفة . ونام معظمنا طوال ساعات الصباح .

وعند الظهر بدأنا نلاحظ علامات نشاط غير عادي . لقد بدأت طائرات السلاح الجوي من طراز بايبر مع نوع اخر الطائرات الصغيرة ، الى جانب طائرة خاصة ، تحوم فوق المكان الذي نختبئ فيه . ومضى رجالنا يقطعون ويقصون اعواد القصب دون ان يدركوا ان رؤيتهم كانت واصحة تماما من هذه الطائرات التي كانت عندئذ تحوم ببطء وعلى ارتفاع منخفض .

كنت انا طبيب القوات وكأن من واجبي ان اعالج الاقدام المصابة بالبثور . وما زلت اتذكر آخر مريض لي ذلك الصباح ، كان اسمه همبرتو لاموثي وكان ذلك اليوم هو آخر يوم له في الحياة . وما زلت اذكر كيف يبدو متعبا ومرهقا وهو يمشي من المركز الذي اقم

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.


×