psuinfo

ذ : عبد الـكــريم كــريـبـي     في : 10 فبراير 2011

- 1 -

 

اصدر الشاعر والروائي المغربي عبد اللطيف اللعبي ما اسماه بميثاق وطني للثقافة , وذلك خلال شهر ماي المنصرم . تكمن أهمية هذا الميثاق في انه يشكل مناسبة للتداول حول مسالة ذات أهمية بالنسبة لمجتمعنا , مثلما تكمن أهميته في انه صادر من " قاع خابية " احد ابرز مثقفينا ومبدعينا , الذين لا زالوا يعملون بجد وجمال من اجل إبعاد كل مظاهر القبح عن مغربنا .

ربما تعمد اللعبي أن يكون هذا الميثاق ذا طابع عام , أن يكون " إعلان مبادئ " لا أن يكون " خارطة طريق " تطارد التفاصيل . جيد.

من اجل مناقشة الميثاق , سألجأ إلى إعادة ترتيب مقال مبدعنا , واعرض كل مفصل من مفاصله واتبع المفصل بالملاحظات التي عنت لي .

 

- 2 - في مناسبة عرض الميثاق :  

 

ما الذي دفع اللعبي إلى إصدار ميثاق وطني من أجل الثقافة ؟

يذكر اللعبي عاملين , احدهما عرضي وآخر جوهري . يتمثل الدافع العرضي في " بعض القرارات الهوجاء المتخذة من طرف وزير الثقافة الجديد " . وهي القرارات التي كان لها " نتيجة ايجابية تكمن في انتعاش الجدل حول حقيقة أوضاعنا الثقافية ورهانات الثقافة في بلادنا " . إن ما يلمح إليه اللعبي هو قرار وزير الثقافة الجديد ( بنسالم حميش ) القاضي بإلغاء التعويض المادي للمثقفين لقاء مشاركتهم في ندوات المعرض الدولي للكتاب . للحقيقة السيد اللعبي , إن ما عاينه المغاربة خلال هذه " الأزمة " لا يشرف المغاربة ولا يشرف المثقفين . إن هذا القرار لم يحرك النقاش حول "رهانات الثقافة في بلادنا " بل حرك نقاشا حول فتات الموائد . و سأكون صادقا لو زعمت انه خلال هذه " الأزمة" كان " بوزفور " بكل تأكيد يتحسر , لان الرسالة التي أراد إيصالها من خلال رفضه لجائزة المغرب ذات زمن لم تصل .

إننا نربأ باللعبي أن يجعل من حدث عادي جدا ومن " معركة فارغة " فرصة تدفع الإنسان لان يصدر ميثاقا حول الثقافة . ربما كبوة حصان. أكيد , لان اللعبي منشغل بالمسالة الثقافية منذ الستينات . ولا يحتاج إلى حدث تافه كهذا لكي يصدرا رأيا , بل ميثاقا , يقرع من خلاله أجراس الإنذار حول الوضع الثقافي والوضع العام بالبلاد .

إن العامل الجوهري الذي دفعه بدون شك إلى إصدار الميثاق هو انه انتبه إلى مفارقة كبيرة تميز المغرب منذ بداية الألفية الثالثة. إنها " تلك المفارقة المتمثلة في الترويج لمسار الاختيار الديمقراطي والحداثة والتنمية البشرية والمستدامة والمشروع المجتمعي الجديد حتى , والقفز في نفس الوقت على المكانة التي يجب أن تحظى بها الثقافة في مسار مثل هذا " . لقد سبق للعبي أن نادى " بقلب للمعادلة يسمح باعتبار الثقافة كأولوية , كقضية تستحق أن تحتل مركز الصدارة في النقاش الوطني العام " . عين العقل . لا يمكن بكل تأكيد, وتاريخ الشعوب والدول المتقدمة دليلنا في هذا, أن يكون هناك انطلاق دون الاعتناء بالمسالة الثقافية . لكن ما نأخذه على اللعبي هنا هو اعتباره أن ما يحصل عندنا , في مجال تدبير الشأن العام ينتمي إلى المنظومة الديمقراطية , والى المشروع الحداثي . إن اللعبي نفسه يستعمل لفظا دقيقا حين الحديث عن هذا " المشروع" , ألا وهو لفظ " الترويج " أي الدعاية مجرد الدعاية , وبذلك فهو يعطي لشكوكنا مصداقيتها , ويشير إلى انه ليس متأكدا من أن ما لدى "أصحاب الوقت "يشكل فعلا مشروعا ديمقراطيا حداثيا .

في آخر هذه الفقرة لا يسعنا إلا أن نتفق مع مبدعنا حول انه لا نجاح لأي مشروع مجتمعي يسير في اتجاه التاريخ بعيدا عن ايلاء "الثقافة " المكانة الأولى .

 

- 3 -  مرجعية الميثاق :

 

يتأطر الميثاق الذي يقترحه الشاعر اللعبي بموقف وقيم وأهداف .

أما الموقف فهو تلكم الإرادة الذاتية التي حركت وتحرك شاعرنا حيال الغمة الثقافية التي يعيشها البلد. لا يجد اللعبي نفسه ضمن الفريق الذي يعتبر أن التردي العام ليس إلا دليلا على صحة " التكهنات السوداوية " التي أطلقها هذا الفريق . كما لا يجد اللعبي ذاته ضمن المعسكر الذي يرى أن التراجعات تخدم مصالحه . إن الفريقين معا يقفان من التردي العام موقف المتفرج , في الوقت الذي يصرح فيه اللعبي انه يرفض " شخصيا التفرج على الوضع والقبول بالقدر المحتوم ". إن ما يشحن بطارية العزم عند مبدعنا هو " الاعتقاد بان خريطة طريق مغايرة ما زالت واردة " . انه يعتبر أن الإصلاح الثقافي ممكن مغربي.

ما هي القيم التي يرى اللعبي أنها جديرة بان تؤسس لهذا الإصلاح الثقافي المقترح ؟

إنها "القيم الإنسانية , الحاملة للتقدم الاجتماعي والمادي والخلقي , ولحكامة مسخرة لخدمة الصالح العام , لاختيار واضح للتحديث والانفتاح دون عقد على العالم " .

ما هي أهداف الإصلاح الثقافي ؟

يقول " إن الجمود , علاوة على انه غير منتج يقود منطقيا إلى التقهقر , الذي يهيئ بدوره التربة لتفشي و سيطرة النزعات الظلامية .إنني أدعو إلى المشروع الذي سنقرر فيه وضع كرامة وازدهار العنصر البشري في مركز اهتمامنا , مهيئين بذلك حلول مجتمع أكثر عدالة وأخوية , وبالتالي أكثر انفتاحا وسلمية وأقل تعرضا لشياطين انغلاق الهوية والتطرف "

كم هي جميلة هذه القيم والأهداف, وهذه الروح التي حركت شاعرنا, لكن لابد مع ذلك من بعض الملاحظات الطفيفة. إذا كانت روح العزم المبادرة التي حركت شاعرنا من الأمور المحمودة, وإذا كانت القيم الإنسانية المعلنة مما لا يختلف حوله اثنان, فان ما يثير التساؤل هو الأهداف. لقد وضع اللعبي المشروع الذي يقترحه , وهو بالمناسبة مشروع معتبر ومرغوب , في تعارض مع طرف اجتماعي وسياسي في الساحة . انه الطرف الذي وسمه بالظلامية . فالخوف هو أن يتم إدماج مشروع اللعبي ضمن تلك "المشاريع " التي تصنع مشروعيتها استنادا على مهمة ابعد ما تكون عن قيم الدمقرطة والتحديث , ألا وهي مهمة مواجهة الإسلاميين ومهادنة الاستبداد . قد يتفهم المرء أحيانا أن توصف بعض المواقف وبعض السلوكيات بأوصاف قدحية , لكن ما لا يفهمه المرء هو أن يتم اختزال المشروع الديمقراطي الحداثي في مواجهة طرف ما خدمة لطرف لا علاقة له بالديمقراطية والحداثة .

ما هي الظلامية ؟ الظلامية كما واجهها فلاسفة التنوير الأوربي هي موقف ينكر( كما يرى الفيلسوف الألماني كانط ) قدرة الإنسان على أن "يشرع " لنفسه في المعرفة والسياسة . إن أساس التنوير الذي يهدم الظلامية هو فكرة "استقلال " الإنسان . ويتحقق استقلال الإنسان بالعقل , واستعمال العقل . وهذا يدل على أن الإنسان بلغ مرحلة النضج تجاوز مرحلة القصور. ومن القصور, في المجال السياسي, أن يتخلى الإنسان, ليس عن حقه بل عن واجبه في أن يشرع لنفسه أي أن يكون مصدر السلطة السياسية هو الاختيار والتعقد. لهذا اعتبر كانط أن أسوأ الأنظمة السياسية هو النظام الذي يحل محل الناس ليدبر أمور حياتهم بذريعة انه أكثر حرصا منهم على مصلحتهم , وانه بالنسبة لهم بمثابة " الأب الرحيم "والعطوف الذي لا يريد " لأبنائه "أن يتعبوا بل يشقى ويكد من اجل راحتهم . أليس هذا النوع من الأنظمة هو ما يعرف بالأنظمة الأبوية المنتشرة في العالم العربي , حيث الحاكم يصف نفسه باب الأمة الرحيم ؟ أليس هذا هو نظام «الأخ الأكبر " المرتبط بالأنظمة الشيوعية الشمولية ؟

إذا انتقلنا السيد اللعبي إلى حالة المغرب , هل يمكن لنا أن نصف النظام السياسي المغربي واحتكاره للسلطة وإرسائه للحكم الفردي المطلق بالتنوير أم بالظلامية ؟ هل يتمتع الإنسان المغربي , ولا اطمع في القول المواطن المغربي , بالاستقلالية ؟ إن مواجهة الظلامية لا تتجزأ . علينا مواجهة الظلامية في الفكر و الثقافة و السياسة و الاقتصاد والرياضة والإعلام .

 

 

-4- المنسي في الميثاق :


لقد غفل اللعبي مسالتان أساسيتان في ميثاقه وهما المسالة الدينية والمسالة اللغوية .

 

أ - المسالة الدينية:

 

يغلب على الميثاق الذي يقترحه اللعبي طابع التنوير . وإذا كان التنوير فكرة فانه كذلك تاريخ . يجب أن نميز في التنوير بين ما هو كوني وما هو تاريخي. يتمثل الكوني في الانتصار للعقل بما هو علامة رشد واستقلال الإنسان . يتمثل التاريخي في الملامح الخاصة التي اكتسبها التنوير تبعا لتاريخ وثقافة المجتمع الذي ظهر فيه. فالتنوير الفرنسي والأمريكي لا يتماثلان في كل شيء, بل يلتقيان في الكوني, ويختلفان في التاريخي دون تعارض جوهري مع الكوني. لأجل ذلك كان هناك اختلاف في الوقف من الدين بين التنوير الأمريكي ونظيره الفرنسي. يمكننا أن نقول إن النموذج التنويري الذي يتخذه " ميثاق "شاعرنا هو النموذج الفرنسي . رأت النور الثورة الفرنسية وهي تواجه الكنيسة . تأثرت العلمانية الفرنسية والتنوير الفرنسي بصراع دولة الثورة مع الكنيسة . في التجربة الأمريكية اختلف الأمر : جماعات بشرية ذات طابع " إخواني مجمعاني "ينتمي في جله إلى العائلة البروتستانتية التي هربت إلى العالم الجديد طلبا للثروة وسيرا مع الصعود البرجوازي الرأسمالي من جهة , وطلبا للأمن الديني الذي هددته السطوة الكاثوليكية بالقارة العجوز من جهة أخرى . منذ البدء شيد الآباء المؤسسون مجتمعا متوافقا مع الكنيسة القائمة وهي الكنيسة التي جمعت بين أعضاء " الاخوانية "في العالم الجديد في غياب رابطة سياسية دولتية . لعب الدين دورا في تماسك المعمرين , فحفظوا له مكانه الاعتباري , مع إدارة أمورهم العملية من إنتاج للثروة وتدبير للسياسة بمنطق عملي عقلاني .

تميز التنوير الفرنسي بنزعة معادية للدين, في حين استحضر التنوير الأمريكي المسالة الدينية.

يمكننا أن نزعم أن الميثاق الوطني للثقافة كما يطرحه اللعبي يستلهم النموذج الفرنسي . دليل ذلك هو تغييب أي حديث عن الدين . هل يمكن أن يكون هناك تجديد للثقافة دون تجديد للدين أو لفهمه الدين ؟ لا يمكننا أن نتعامل مع الدين تعامل "غيثة " إحدى بطلات " قاع الخابية" مع رمضان ( انظر الصفحة 132 النسخة الفرنسية دار النشر غاليمار – فوليو 2002 ) . الدين مسالة حاضرة في مجتمعنا , وآثار فهمها بشكل سليم أو غير سليم حاضرة في حياتنا وسياستنا واقتصادنا وعيسنا بشكل عام . لا مفر لنا, داخل أي ميثاق للثقافة يريد أن يكون وطنيا أي للجميع, من الاغتناء بالمسالة الدينية تجديدا وترشيدا. لن ينجح أي تنوير ونحن نحمل معنا أكياس رمل تعرقل تقدمنا. هذا هو الدرس الذي قدمه التنوير الأوربي . لم يتهرب أي ممن ساهم في التنوير الأوربي من معالجة المسالة الدينية, بما في ذلك أولئك الذين كان ملحدين ميتافيزيقيا لكنهم كانوا مؤمنين اجتماعيا وسياسيا, أي مؤمنين بدور ما للدين في العيش المشترك. إن إهمال الدين سيجعله سلاحا في يد من يعارض التقدم والتحديث, وهذا ما يدل عليه حال البلدان العربية, والناطقة بالعربية.

 

ب – المسالة اللغوية:

 

من نتائج التأويل الفرنسي للتنوير الذي يحضر في الميثاق الوطني للثقافة كما يقترحه اللعبي , عدم الحديث عن المسالة اللغوية . إن أهم سمة تسم التنوير الفرنسي هي سمة الكونية. والكونية ليست لها قيمة ايجابية أو سلبية في ذاتها بما هي قيمة , بل تكمن قيمتها في نمط استعمالها . قيمتها ليست في ماهيتها بل في تاريخها . فقد يستعمل البعض مبدأ الكونية لإلغاء كل حديث عن التعدد في الثقافة واللغة. فباسم الكونية قد يلغي البعض لغة ما من خلال ربطها, بسوء نية, بعرق ما.قد يرد البعض إن الكونية لم تمنع الفرنسيين اليوم والبارحة من أن يكونوا أكثر تسامحا مع الثقافة الامازيغية . لكن , رجاءا , لننتبه إلى أن هذا الموقف الفرنسي كان موقفا سياسيا ولم يكن اختيارا فلسفيا معتمدا داخل فرنسا مثلما هو معتمد خارجها . وللتأكد من ذلك فلنسال الباسكيين والكورسيكيين والبروتانيين .

إذا نظرنا ناحية التأويل الألماني للتنوير لربما وجدنا مخرجا ما .

خلافا للفرنسيين , يركز الألمان على مفهوم " الأمة "و " روح الشعب ", بدل التركيز مع ديكارت على " الإنسان" ككل . يدافع الألمان ( فيشته – هردر ) عن " الأرض " كمفهوم ثقافي, ويربطونه بمفهوم " الإقامة والسكن هنا ". هذا التركيز على " المحلي" يفتح الباب للحديث عن " اللهجات" و عن " القوم". انه يفتح الباب كذلك أمام التعدد اللغوي والثقافي ولو ارتبط بالعرق. لكن حذار , فإذا كانت الكونية حمالة عدة آثار , فالمحلية قد تنتج الحق في اللغة وقد تنتج الحق في إقصاء كل اللغات التي ليست لغت "نا" . فهذا التأويل الألماني لم يمنع ظهور نزعات ترى أن هناك عرقا هو الأسمى وأمة هي الأجدر بالإقامة في " الأرض "

ما العمل ؟ ينبغي تطعيم التأويل الألماني بمضادات كونية تقضي على التأويل الفاشي للفكر الألماني. نعم لمفهوم " الأرض "ومفهوم " الأمة " لكن ليس بالمعنى الانثربولوجي الضيق الماتحت- التاريخ (القبيلة – العرق النبيل ) , وليس بالمعنى الميتافيزيقي الماهوي المافوق - التاريخ ( الشعب المختار أو الأمة المقدسة ) .

إن إهمال اللعبي للمسالة اللغوية , بفعل الوقوع تحت تأثير التأويل الفرنسي ( الديكارتي – اليعقوبي ) لن يساهم في إنتاج ميثاق يريد أن يكون وطنيا يشمل الجميع , ويجد الجميع فيه ذاته . إذا كان الدين ينتقم ممن يهمله, فان اللسان هو كذلك يخلق لدى من أهمله بلبلة لا تقل شرورها عن " لعنة بابل".

 

 ج - تسلل له معنى :

 

يعتبر اللعبي أن المشروع الذي يقترحه سيهيئ الطريق إلى " مجتمع أكثر عدالة وأخوية " أقف هنا عند لفظة " أخوية " . 

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.