psuinfo

بيروت..

مؤثرة جداً كانت كلمة الرئيس نبيه بري في شكر قطر على دورها في حياكة اتفاق الدوحة. تحدث بكثير من الثقة عن «معجزة» الطائرة والفندق التي حققت ما قصّرت به بلاد الـ 10452 كلم، وعن كفكفة أمير قطر لدموع اليتامى وإغاثة المناطق المنكوبة من بنت جبيل إلى عيتا الشعب. وشهيرة جداً عبارة «الأستاذ» عن «أول الغيث قطرة... فكيف اذا كان قطر». هذا في ربيع عام 2008.

«قَطر» الدوحة حتى الأشهر القليلة الماضية كان ما يزال «يحلّي» ألسنة المسؤولين اللبنانيين لكيل عبارات المديح لأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ولرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم.

فاضت الاقتراحات أمام حزب الله وحركة أمل حول البرنامج الأمثل للحفاوة بالضيف القطري عام 2010. رفعت على طول طريق المطار وفي الضاحية وفي كل الجنوب أعلام قطر وصور أميرها المفدى، واحتلت عبارة «شكراً قطر» الشاشات، وخاصة «المنار» و«إن بي إن» و«نيو تي في»، وعندما وصل «أمير الغاز» و«أمير الجزيرة» الى «عاصمة التحرير»، ضاقت جنبات بنت جبيل بالنسوة والأطفال الذين جيء بهم منذ ساعات الصباح الأولى حاملين صور الأمير المفدى والعلم الأحمر والأسود. نثروا الهتافات والأرز والورود على الموكب الأميري ـ الرئاسي، وأعطي حمد مفتاح عاصمة التحرير، ونحرت الخراف على شرفه وكاد البعض يأتي بالجمال، لولا أن الشيخ نبيل قاووق عوّضها في الخيام، بتلك العراضة الفولكلورية التي لن تتكرر لمسؤول عربي آخر.. إلا إذا تكرر زمن جمال عبد الناصر... وكدنا للحظة نصدق أن الأمير المقاوم سينزل عند «بوابة فاطمة» ويتجرأ على ما لم يتجرأ عليه أحمدي نجاد بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين.

حتى أن أحداً لم يزعج خاطر رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم الذي تردد أنه كان يرغب بالوصول الى مارون الراس ليشهد على بطولات المقاومين هناك من جهة، وأن يستغل المناسبة لإلقاء نظرة عبر المنظار الى منزله الاسرائيلي في تل ابيب حيث يمضي فيه إجازاته الصيفية في ايلول من كل عام.

جولة الأمير في بلدات الجنوب في تموز 2010 جمعت في كادر واحد اركان الدولة وحزب الله وحركة امل ولا بأس من أن تكون فرصة للرئيس سعد الحريري بأن تطأ قدماه ارض الجنوب للمرة الأولى.

وحسناً فعل السيد حسن نصرالله ما لم يجد البعض له تفسيراً، عندما تفادى أن يجتمع في «كادر» واحد بالأمير القطري. قال «السيد» للمعنيين بالبروتوكول القطري عبر «القناة الحزبية» المعنية «من غير اللائق أن يخضع أمير دولة مثل أمير قطر الذي وقف الى جانب قضيتنا في أصعب الظروف، الى الإجراءات الأمنية التي يخضع لها أي ضيف يلتقي به». هي الصدفة وربما الحنكة والحكمة التي جعلت الحزب ينأى عن ذلك اللقاء الذي يقول بعض المعنيين بالتحليل اليوم، إنه ربما كان يراد للصورة وظيفة وربما للقاء نفسه وظيفة أمنية... وفي كل الأحوال لم يكن في البد إلا ما كان ولو عاد الزمن كان حزب الله سيتصرف كما تصرف.. وكان «السيد» سيتصرف باللياقة نفسها.

سبق ذلك استكشاف الأمير «المودرن» للضاحية في آب من عام 2006، ومن ثم تبنّيه إعادة إعمار القرى الأربع شبه المدمرة كلياً، عيتا الشعب وعيناثا وبنت جبيل والخيام. خطوته كان لها ايضاً مغزاها «الثمين» لدى «المعجبين» بصاحب الجسم المكتنز. يومها كان الغزل القطري السوري في أوجه. «أمير الاستثمارات» الآتي لتوه من دمشق ينقل دعوة الى رئيس الحكومة البتراء فؤاد السنيورة من «الأخ الصديق» الرئيس السوري بشار الأسد «لزيارة دمشق في أي وقت». أما الرسالة الثانية التي حملها فهي نفيه لقيام بلاده بدور الوساطة بين سوريا وإسرائيل!

تدريجياً، سرعان ما انهت براكين المنطقة المتفجّرة شهر العسل القطري اللبناني السوري. قسم من الذين رافقوا الأمير في جولته في الضاحية والجنوب باتوا ينظرون اليوم بعين الريبة الى الدور المشبوه لإمارة المليارات والشيكات على بياض ـ الرشوة، قبل انفضاح الدور.

يروي أحد الظرفاء أنه عندما طلب مؤخراً من أحد المراسلين في الجنوب صورة من وحي «المآثر القطرية» في احدى القرى الأربع، جاء الجواب أن عوامل الطبيعة والعواصف الأخيرة أطاحت بصور الأمير القطري وكل اللوحات المهللة بـ«شكراً قطر». وعندما طلبت صورة لقرميد احدى المدارس، وهو يرمز الى علم قطر، تبين أن عوامل الطبيعة قد اختارت من بين كل مباني بنت جبيل والجنوب هذا المبنى لتنزع تلك القرميدات عنه، ولا يعود هناك من أثر للمكارم القطرية.

لم يكن مشهد استقبال الرئيس الأميركي باراك اوباما للأمير حمد في منتصف نيسان الجاري مهنئاً إياه على دور قطر في ترويج الديموقراطية في الشرق الاوسط سوى الخيط الأخير الذي قاد منتقدي الدوحة، الى تثبيت التهمة عليها، «بالجرم المشهود»، في حفر اسس المشروع الفتنوي في سوريا والبحرين والمشاركة في إدخال «البولدوزر» الاطلسي الى ليبيا... لترتسم شبهة المؤامرة على الكثير مما يجري في الساحات العربية منذ أربعة شهور حتى الآن.

دخلت قطر الساحة اللبنانية على «جرافة» المال والإعمار وشاشة «الجزيرة»، هي الدولة الفاقدة لمظلة المرجعية وحاملة «عقدة» الجار السعودي. اكتسبت مصداقية عالية في الشارعين الإسلامي والعربي بتغطيتها السياسية والإعلامية لحرب تموز وللحرب الإسرائيلية على غزة وبأخذها بصدرها القضية الفلسطينية، وكسب ثقة ألد أعداء اسرائيل «حماس» و«حزب الله».

حصّنت حقائب الدولارات التي انعشت جيوب كبار المرجعيات السياسية والحزبية، باستثناء «حزب الله»، حضور قطر، لكنها لم تمنحها «دورا» إلا من البوابة السورية ومن خلال الصداقة التي نسجها امير قطر مع الرئيس بشار الأسد. هكذا شاركت الامارة الغنية في حياكة خيوط القرار 1701 في آب 2006، من خلال تمثيلها للمجموعة العربية في مجلس الامن بشخص الشيخ حمد بن جاسم، وأدارت «اتفاق الدوحة» متطلّعة الى حجز دور متقدّم في معادلة الحل والربط في المنطقة. دور تجلّت آخر صوره في قدوم الموفدين رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو لإنعاش التسوية السورية السعودية قبل دخولها في الـ«كوما» ومن دارة السيد حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

واقع الأمر، أن أياً من المصفقين للدور القطري في لبنان، حتى فريق المعارضة السابقة، لم يسقط من حساباته يوماً محور المصالح الذي جمع الامارة الصغيرة مع الادارة الاميركية وإسرائيل. هذا الفريق تحديداً، كان يلمس عبر «الجزيرة»، الناطقة باسم دولة قطر، ترويجها لوجهة النظر الإسرائيلية بقدر حماسها لدعم «المقاومة»، وثمة وقائع من داخل المحطة نفسها تتحدث من دون الحاجة الى التحليل، وهي التي تأتمر بأوامر أمير قطر مباشرة وليس عبر فلان أو فلان، لكنه تصرّف على اساس اقتراب قطر من خياراته السياسية وبدء انفكاكها عن المعسكر الآخر، وليس العكس. وينقل عن مرجعية سياسية قولها «لم يكن بإمكاننا رفض الوساطة السياسية او مساعدات الإعمار طالما اننا لم نقدم اي تنازلات في المقابل، حتى مع إدراكنا للغة «البيزنس» والمصالح التي تربطها بواشنطن وتل ابيب».

لم يضع هذا الفريق في الحسبان أن قطر لا تستطيع أن تتنفس الا بقرار أميركي وثمة قاعدة أميركية قيادية على أراضيها قيد التوسيع حالياً، وأن اعتباري الغاز و«الجزيرة» سقفهما ما تمليه الادارة الأميركية التي طلبت قبل سنة من جميع العاملين في مكاتبها أنه ممنوع تجاوز سقف خطاب باراك أوباما في تركيا والقاهرة، وأن مرحلة جديدة من التعاطي الأميركي مع المنطقة قد بدأت وليس بالضرورة أن تتخذ لا شكل العراق ولا أي نموذج آخر بل ثمة وسائل وآليات جديدة....

في ميزان هذا الفريق ادت المقاربات المتناقضة لقطر حيال الثورات العربية وانحيازها المفضوح في تنفيذ اجندات خارجية، عبر قناة «الجزيرة»، وتأجيج مشروع الفتنة في سوريا، الى خسارة مزدوجة: فقدانها ورقة الدور المؤثر والوسيط في لبنان، دائماً من خلال دمشق، وإطلالها على القضية الفلسطينية من البوابة السورية. ثانياً خسارة رصيد المصداقية والموضوعية بعدما أدار جزء كبير من الشارع العربي ظهره لقناتها التي اخذت شعارات الحق لتبني عليها استراتيجيات الباطل.

لذلك لا يشعر هذا الفريق اليوم بالخديعة «ففي الحرب وقفت قطر الى جانبنا ولم يكن بإمكاننا إلا أن نلاقيها الى نصف الطريق. اما اليوم فنتعاطى مع الموضوع بكثير من البراغماتية. فمن انقلب على والده ليحظى بالإمارة قبل 16عاماً، يستطع بسهولة ان يطعن صديقه (الأسد) في الظهر. في البداية ركبت قطر موجة المقاومة بالتزامن مع مرحلة المناكفة مع السعودية، وها هي اليوم تركب موجة الثورات انسجاماً مع مشروع الرئيس باراك اوباما للتغيير في المنطقة». هو انقلاب مباح في السياسة، لكن أثمانه عرضة للأخذ والرد.... لقد عاد القطري الى قواعده سالماً بعدما قدّم ارواق اعتماده، هذه المرة علناً امام الاميركيين، بحثاً مرة اخرى عن منصب قيادي في العالم العربي أو ربما توهم بعضهم بأن قطر تملك قابلية أن تصبح دولة كبرى.

مع ذلك، تفيض قلوب بعض الناقمين على السياسة القطرية الحربائية لتطال أداء الامير نفسه الذي داوم، كما يقولون، «في استوديوهات «الجزيرة» ليشرف على رسم المخطط المطلوب في ليبيا والبحرين وسوريا. كما ان صاحب «الخلفية الوهابية» هو نفسه من دفع أثمان استضافة كأس العالم أضعافاً». هؤلاء يتكئون على وثيقة نشرتها صحيفة «يديعوت احرونوت» تبرز مجموعة الشروط التي وقعت عليها قطر لاستضافة «المونديال»، منها إقناع سوريا بالتخلي عن دعم «المنظمات الإرهابية»، ومتابعة الدعم لجنوب لبنان مما يقرّب امير قطر من حزب الله والسعي لكشف موقع السيد حسن نصر الله من خلال هدايا تقدّم له تساعد على تحديد مكان وجوده عبر الأقمار الصناعية، والضغط على تركيا من اجل مقاطعة سوريا، وإثارة الملف الكردي، وتفعيل دور قناة «الجزيرة» من خلال تغطيتها لملفات حساسة في كافة الدول العربية وفق مخططات تصل من مؤسسات إعلامية أميركية متخصصة بذلك، وإثارة ملفات الفساد في العالم العربي الخ...

وفي قاموس من صفّق بالامس لديناميكية قطر الزائدة في التحرّر من أثقال وجود أكبر قاعدة عسكرية اميركية للقيادة والسيطرة على اراضيها، فإن هذا الدور لم تكن غايته، برأي هؤلاء، سوى إنتاج مصداقية لقطر وشاشتها الفضائية، لكي تقوم لاحقاً بوظيفتها السياسية الاستراتيجية الكبرى في ادارة الفتن في المنطقة بهذا الشكل المفضوح في الأداء وتضخيم الأحداث. يتحدث هؤلاء عن بطيختين حملتهما قطر في اللحظة السياسية نفسها: بطيخة الصداقات السياسية المثيرة للشكوك وبطيخة دعم المقاومة. وفي منطق المصالح، لا يمكن لقطر الا ان تكون مكلّفة بهذا الدور تمهيداً لمهمة اكبر وضعها العقل الاسرائيلي في الادارة الاميركية.

 

السفير

 


Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.


Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site