psuinfo

                                                                     

 
  السابق  1 <----> 9  التالي  
شاهد الصور
  

تكتسب الأماكن حياة خاصة عندما تلتحم بالذكريات التي ارتبطت بها وصنعت شخصيتها. وميدان التحرير ليس استثناء من هذه الأمكنة. كان جزءا من مدينة القاهرة على مدى قرون. ومنذ أخذ شكله

الحالي في نهاية القرن التاسع عشر انتابته تحولات عديدة ارتبطت بتاريخه. إلا أن الأسبوعين الأخيرين كان لهما أثر خاص. وكل يوم فيهما كان يكسب الميدان شخصية ومذاقا ومعان جديدة.
في يوم الغضب، 28 يناير، كان الميدان وشوارعه المحيطة ساحة للقتال. وفي الأيام التي تليه تقلبت وجوهه. فمرة هو مسرح لعرس، وتارة هو مسجد يصلى فيه مئات الآلاف، ثم كنيسة تتردد في أرجائها الترانيم. وفي نهاية اليوم، يتحول إلى ساحة للرقص والغناء. بل وفي إحدى تحولات أيام الثورة كان الميدان حلبة تسابقت فيها الخيول والجمال!

عرف باسم ميدان الإسماعيلية، نسبة إلى الخديوي إسماعيل، حتي أكسبته ثورة الجيش المصرية اسمه الجديد في عام 1952. ومعه تخلص الميدان من ثكنات جنود الاحتلال البريطاني وجزءا من تاريخه القديم.

في النصف الثاني من القرن العشرين ارتسمت للميدان ومعالمه المحيطة صورتان متلازمتان. فهو من جهة رسمي جهم، بحكم وجود مقر جامعة الدول العربية التي طالما تصدرت واجهتها المطلة على الميدان نشرات الأخبار. وارتبطت في أذهان العرب بجولات ومفاوضات وتصريحات وبيانات أغلبها شجب وأقلها إشادة. أضف إلى ذلك وجود مبنى مجمع التحرير الذي ظل لسنوات مقر الإدارة المركزية لعموم القطر المصري على مدى سنوات. لا يمكن لمصري في طول البلاد وعرضها أن يستخرج بطاقة هوية أو سفر دون أن يمر عليه.

أما صورته الأخرى فترسم ابتسامة لا يستطيع مغالبتها عشاق السينما المصرية، عندما يتذكرون أن المجمع والميدان كانا خلفية ومسرحا لكثير من كوميديا ورومانسيات الأفلام. ففي مجمع التحرير دارت أحداث فيلم "الإرهاب والكباب" لممثل الكوميديا عادل إمام، وأمامه وقف الفنان كمال الشناوي ليردد أمام المعتصمين، في دور وزير الداخلية: “الحكومة ما لهاش دراع –ذراع - عشان تتلوي منه”. وفي الأسابيع الأخيرة استعاد المتوترون، على تويتر، والمفسبكون، على فيسبوك، العبارة نفسها في إشارة إلى أن وزير الداخلية السابق ربما يتبنى نفس الفكرة ولكن مع الفارق. فالأحداث الأخيرة وما تبعها ربما اثبتت أن الحكومة لها، ليس ذراعا واحدا فحسب، بل أكثر من ذراع.

ويصب في الميدان من جهته الشرقية كوبري قصر النيل. اكتسب اسمه من القصر الذي جاوره والذي بناه الوالي محمد علي لابنته زينب لتحل محله فيما بعد ثكنات جيش الاحتلال البريطاني. وبعد جلاء البريطانيين عن مصر في الخمسينيات بني في مكانه المقر الحالي لجامعة الدول العربية. كان الكوبري على مدى العقود واحدا من المعالم البارزة التي يلتقي عندها العشاق. عشاق الواقع أو عشاق السينما المصرية. كان الموقع المثالي للقاء الأحبة وعند اقدامه وتحت الشمس الحارقة ضرب عبد الحليم حافظ واحمد رمزي كثيرا من مواعيد الغرام التي خلدتها شاشة السينما.

أخرجت جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والحشود التي تجمعت علي الكوبري مشهده إلى حيز الشهرة العالمية. وتناقلت الوكالات صور الجموع المهيبة التي احتشدت عليه، بل وتردد حينها أنه كانت هناك مخاوف من ألا يتحمل الكوبري كل هؤلاء البشر الذين جاءوا لوداع جثمان زعيم هزت خطاباته العروش. وربما تتراجع كل هذه الذكريات أمام مشهد فريد في يوم الغضب تناقلته محطات التليفزيون العالمية وتبادله الناس عبر الهاتف المحمول. ألا وهو مشهد حشود المصلين وهم يتحركون صفا امام صف في مواجهة قوات الأمن وقاذفات المياه في صمود فريد يرغم المدرعات والجنود وشرطة مكافحة الشغب على التقهقر والتراجع.

ومن المؤكد أن الكثيرين في مصر وخارجها سيعيدون رسم الميدان ومحيطه في خيالهم من جديد. سواء من كانوا يعرفونه عن بعد أم أولئك الذين كانت لهم تجارب مباشرة ومنهم المخرج التليفزيوني عمرو سلامة الذي كان يحاول الانضمام للمتظاهرين في الميدان من جهة شارع القصر العيني وإذا به يسقط فريسة لضابط لا يرحم، سحبه إلى شارع جانبي وانهال بالضرب عليه هو وكتيبة من جنوده. وقد عبر عمرو عن التجربة بكلمات تقطر سخرية نشرها على فيسبوك:
"شلاليت في وشي، وفي بطني، والعساكر بالعصيان، وواحد منهم كسر حاجة خشب غريبة وجاب الخشبة وقعد يضربني بيها في كل حتة في جسمي، وكلام شبه "يا ولاد ال…. يا ….. ده إحنا في الشارع من بليل يلعن د….“ وأنا بقوله "ربنا يكون في عونكوا، إنت عارف بقى إنت واقف ليه وبتمنعنى ليه؟" فيستفز فيضربني أكثر "عامل فيها مثقف يا إبن…..“ وأنا أرد عليه "مش مثقف ولا نيلة، أنا هنا عشانكوا، أنا مصري زيك" طبعا كلامي وسط الضرب كان أكيد مبهم، وهو وسط شتايموا كلامي كان في أهمية برنامج "طبق اليوم" بالنسبة له.

و قعدت ساعتها أصرخ للعساكر وأقول كلام أفلاطوني ثاني زي: "أنا هنا عشانكم، إنتم عارفين إنتم بتضربوني ليه؟ أنا معايا موبايل، ومعايا فلوس، ومعايا عربية، ومستريح، إحنا هنا عشانكوا، عشان إنتم تلاقوا تاكلوا وتأكلوا عيالكم".

ولسبب إلهى سمعوا كلامي، ولقيت واحد فيهم إتأثر فعلا وبعدهم عني، وجابلي كرسي، وقالي "أستاذ، هتعرف تمشي؟" بعد لحظة صمت قلتله "هحاول" قالي "طب إجري بسرعة قبل ما الظابط يرجع، لو رجع هيموتك" فحاولت أهرب بسرعة ولكن الظابط رجع، وإفتكرني بهرب طبعا، وهما عملوا كإنهم بيجيبوني، فخدت علقة تجعل العلقة الأولى فيلم كارتون إنتاج والت ديزني في الأربعينات. وبعدها ركز مع صيد تاني كان جايبه من الغابة من شوية، فجه ظابط ثاني سألني عن شغلي و اسمي وشاف بطاقتي وقالي: إجري بسرعة قبل ما يركز معاك ثاني".

ربما تمحو هذه التجربة كل أثر لرومانسيات الميدان وكوبريه الشهير من ذهن مخرج السينما. أما تجربة أحمد سعفان وعلا عبد الحميد فمن المؤكد أنها كانت ستكون على النقيض. فقد قرر المحبان الذان ارتبطا لسنوات بعد أن تظاهرا سويا على مدى أسبوعين تقريبا أن متظاهري الميدان هم الأهل والأصدقاء الذين ينبغي أن يحتفلا معهم بالزواج. عُقد القران وارتفعت الزغاريد ووزع الشربات في حدث نقل بسمة لكل من قرأ عنه وسط أحداث الاضطرابات في قلب القاهرة.

خلال أسبوعين ارتسمت للميدان صورة صنعتها تعليقات على فيسبوك وتويتر امتلأت بالتفاصيل الصغيرة التي حولته إلى حالة إنسانية فريدة: "البكاء والحزن يخيم على المستشفى الميداني، الأطباء مرهقون بشده لأنهم في حاله طارئة من الساعه العاشرة صباحاً إلى الآن".

"دكاترة المستشفى اللي عملها الناس ورا ميدان التحرير محتاجة دعم..خيوط جراحة وشاش وقطن ومسكنات وأي معدات طبية..الجرحى كتير جداً ومكان المستشفى أول شمال بعد بيتزا هت في الممر اللي ورا بتاع الجرايد اللي في الميدان في جامع عباد الرحمن ..الجرحى كتير جداً ".

الكثيرون ينشرون صورا ومقاطع فيديو للشباب الذي يحافظ على نظافة الميدان وتنظيمه. أو صورا للاشتباكات بين مؤيدي ومعارضي مبارك. أو حاملي لافتات تقطر سخرية وفكاهة. مخيمات وهتافات وشباب ضاحك. مرح وصدامات، ثورة متعددة الجوانب والزوايا. ومن هذا كله تخرج صورة جديدة تتشكل لميدان أعاد رسم ملامح مصر والمصريين وصار رمزا لتغير لا يدري أحد إلى أين ينتهي بمصر وبمحيطها العربي والدولي.

ولكن ماذا عنك؟ احك لنا وللقراء تجربتك مع ميدان التحرير. لو كنت ممن ذهبوا إلى هناك شاركنا بمشاهداتك وقصصك، ولو كنت ممكن قرأوا عنه أو زاروه أو شاهدوه احك لنا كيف كنت تراه وكيف تراه الآن.







Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.


Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×